السيد صادق الموسوي

542

تمام نهج البلاغة

سَبيلًا ، سُلِّطَتِ الأَرْضُ عَلَيْهِمْ فيهِ ، فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ ، وَشَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ ، فَأَصْبَحُوا في فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لَا يَنْمُونَ ، وَضِمَاراً لَا يُوجَدُونَ ، لَا يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الأَهْوَالِ ، وَلَا يَحْزُنُهُمْ تَنَكُّرُ الأَحْوَالِ ، وَلَا يَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ ، وَلَا يَأْذَنُونَ لِلْقَوَاصِفِ ، غُيَّباً لَا يُنْتَظَرُونَ ، وَشُهُوداً لَا يَحْضُرُونَ . وَإِنَّمَا كَانُوا جَميعاً فَتَشَتَّتُوا ، وَأُلّافاً فَافْتَرَقُوا وَمَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ ، وَلَا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ ، عَمِيَتْ أَخْبَارُهُمْ ، وَصَمَّتْ دِيَارُهُمْ ، وَلكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً ، وَبِالسَّمْعِ صَمَماً ، وَبِالْحَرَكَاتِ سُكُوناً ، فَكَأَنَّهُمْ فِي ارْتِجَالِ ( 1 ) الصِّفَةِ صَرْعى سُبَاتٍ . جيرَانٌ لَا يَتَأَنَّسُونَ ، وَأَحِبّاءُ لَا يَتَزَاوَرُونَ ، بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَى التَّعَارُفِ ، وَانْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ الإِخَاءِ ، فَكُلُّهُمْ وَحيدٌ وَهُمْ جَميعٌ ، وَبِجَانِبِ الْهَجْرِ وَهُمْ أَخِلّاءُ . لَا يَتَعَارَفُونَ لِلَيْلٍ صَبَاحاً ، وَلَا لِنَهَارٍ مَسَاءً ، أَيُّ الْجَديدَيْنِ ظَعَنُوا فيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً . شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ مِمّا خَافُوا ، وَرَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ مِمّا قَدَّرُوا ، فَكِلْتَا الْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إِلى مَبَاءَةٍ فَاتَتْ مَبَالِغَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ . فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَيُّوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَمَا عَايَنُوا . وَلَئِنْ دَرَسَتْ ( 2 ) آثَارُهُمْ ، وَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ ، لَقَدْ رَجَعَتْ فيهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَرِ ، وَسَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولِ ، وَتَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهَاتِ النُّطْقِ ، فَقَالُوا : كَلَحَتِ الوْجُوُهُ النَّوَاضِرُ ، وَخَوَتِ الأَجْسَادُ النَّوَاعِمُ ، وَلَبِسْنَا أَهْدَامَ الْبِلى ، وَتَكَاءَدْنَا ضيقَ الْمَضْجِعِ ، وَتَوَارَثْنَا الْوَحْشَةَ ، وَتَهَكَّمَتْ ( 3 ) عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصَّمُوتُ ، فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا ، وَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا ، وَطَالَتْ في مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا ، وَلَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً ، وَلَا مِنْ ضيقٍ مُتَّسَعاً . فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِكَ ، أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الْغِطَاءِ لَكَ ، وَقَدِ ارْتَسَخَتْ أَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِّ فَاسْتَكَّتْ ، وَاكْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَابِ فَخَسَفَتْ ، وَتَقَطَّعَتِ الأَلْسِنَةُ في أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلَاقَتِهَا ، وَهَمَدَتِ الْقُلُوبُ في صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقْظَتِهَا ، وَعَاثَ في كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَديدُ بِلىً سَمَّجَهَا ، وَسَهَّلَ

--> ( 1 ) - ارتحال . ورد في نسخة الجيلاني الموجودة في مكتبة الإمام الرضا ( ع ) في مدينة مشهد . ( 2 ) - عميت . ورد في نسخة العام 400 ص 307 . وهامش نسخة ابن المؤدب ص 215 . ونسخة نصيري ص 142 . ونسخة الآملي ص 192 . ونسخة ابن أبي المحاسن ص 220 . ونسخة الأسترآبادي ص 355 . ونسخة الصالح ص 340 . ونسخة العطاردي ص 258 . ( 3 ) - تهدّمت . ورد في هامش نسخة نصيري ص 142 .